فصل: تفسير الآيات رقم (1- 26)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


سورة الغاشية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 26‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ‏(‏1‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ‏(‏2‏)‏ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ‏(‏3‏)‏ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ‏(‏4‏)‏ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ ‏(‏5‏)‏ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ‏(‏6‏)‏ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ‏(‏7‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ‏(‏8‏)‏ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ‏(‏10‏)‏ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ‏(‏11‏)‏ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ‏(‏12‏)‏ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ‏(‏13‏)‏ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ‏(‏14‏)‏ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ‏(‏15‏)‏ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ‏(‏16‏)‏ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ‏(‏17‏)‏ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ‏(‏18‏)‏ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ‏(‏19‏)‏ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ‏(‏20‏)‏ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ‏(‏21‏)‏ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ‏(‏22‏)‏ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ‏(‏23‏)‏ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ‏(‏24‏)‏ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ‏(‏26‏)‏‏}‏

هذه السورة واحدة من الإيقاعات العميقة الهادئة‏.‏ الباعثة إلى التأمل والتدبر، وإلى الرجاء والتطلع، وإلى المخافة والتوجس، وإلى عمل الحساب ليوم الحساب‏!‏

وهي تطوّف بالقلب البشري في مجالين هائلين‏:‏ مجال الآخرة وعالمها الواسع، ومشاهدها المؤثرة‏.‏ ومجال الوجود العريض المكشوف للنظر، وآيات الله المبثوثة في خلائقه المعروضة للجميع‏.‏ ثم تذكرهم بعد هاتين الجولتين بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف‏.‏‏.‏ كل ذلك في أسلوب عميق الإيقاع، هادئ، ولكنه نافذ‏.‏ رصين ولكنه رهيب‏!‏

‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

بهذا المطلع تبدأ السورة التي تريد لترد القلوب إلى الله، ولتذكرهم بآياته في الوجود، وحسابه في الآخرة وجزائه الأكيد‏.‏ وبهذا الاستفهام الموحي بالعظمة الدال على التقرير؛ الذي يشير في الوقت ذاته إلى أن أمر الآخرة مما سبق به التقرير والتذكير‏.‏ وتسمى القيامة هذا الاسم الجديد‏:‏ ‏{‏الغاشية‏}‏‏.‏‏.‏ أي الداهية التي تغشى الناس وتغمرهم بأهوالها‏.‏ وهو من الأسماء الجديدة الموحية التي وردت في هذا الجزء‏.‏‏.‏ الطامة‏.‏‏.‏ الصاخة‏.‏‏.‏ الغاشية‏.‏‏.‏ القارعة‏.‏‏.‏ مما يناسب طبيعة هذا الجزء المعهودة‏.‏

وهذا الخطاب‏:‏ ‏{‏هل أتاك‏.‏‏.‏‏؟‏‏}‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحس وقع توجيهه إلى شخصه، حيثما سمع هذه السورة، وكأنما يتلقاه أول مرة مباشرة من ربه، لشدة حساسية قلبه بخطاب الله سبحانه واستحضاره لحقيقة الخطاب، وشعوره بأنه صادر إليه بلا وسيط حيثما سمعته أذناه‏.‏‏.‏ قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عباس، عن أبي إسحاق، عن عمر ابن ميمون، قال‏:‏ مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ‏:‏ ‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏؟‏‏}‏ فقام يستمع ويقول‏:‏ «نعم قد جاءني»‏.‏

والخطاب مع ذلك عام لكل من يسمع هذا القرآن‏.‏ فحديث الغاشية هو حديث هذا القرآن المتكرر‏.‏ يذكر به وينذر ويبشر؛ ويستجيش به في الضمائر الحساسية والخشية والتقوى والتوجس؛ كما يثير به الرجاء والارتقاب والتطلع‏.‏ ومن ثم يستحيي هذه الضمائر فلا تموت ولا تغفل‏.‏

‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ ثم يعرض شيئاً من حديث الغاشية‏:‏

‏{‏وجوه يومئذ خاشعة‏.‏ عاملة ناصبة‏.‏ تصلى ناراً حامية‏.‏ تسقى من عين آنية‏.‏ ليس لهم طعام إلا من ضريع‏.‏ لا يسمن ولا يغني من جوع‏}‏‏.‏‏.‏

إنه يعجل بمشهد العذاب قبل مشهد النعيم؛ فهو أقرب إلى جو ‏{‏الغاشية‏}‏ وظلها‏.‏‏.‏ فهناك‏:‏ يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة مرهقة؛ عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة، ولم تجد إلا الوبال والخسارة، فزادت مضضاً وإرهاقاً وتعباً، فهي‏:‏ ‏{‏عاملة ناصبة‏}‏‏.‏‏.‏ عملت لغير الله، ونصبت في غير سبيله‏.‏ عملت لنفسها ولأولادها‏.‏ وتعبت لدنياها ولأطماعها‏.‏ ثم وجدت عاقبة العمل والكد‏.‏ وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد‏.‏

ووجدته في الآخرة سواداً يؤدي إلى العذاب‏.‏ وهي تواجه النهاية مواجهة الذليل المرهق المتعوس الخائب الرجاء‏!‏

ومع هذا الذل والرهق العذاب والألم‏:‏ ‏{‏تصلى ناراً حامية‏}‏ وتذوقها وتعانيها‏.‏

‏{‏تسقى من عين آنية‏}‏‏.‏‏.‏ حارة بالغة الحرارة‏.‏‏.‏ ‏{‏ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع‏}‏‏.‏‏.‏ والضريع قيل‏:‏ شجر من نار في جهنم‏.‏ استناداً إلى ما ورد عن شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم‏.‏ وقيل‏:‏ نوع من الشوك اللاطئ بالأرض، ترعاه الإبل وهو أخضر، ويسمى «الشبرق» فإذا جني صار اسمه «الضريع» ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سام‏!‏ فهذا أو ذاك هو لون من ألوان الطعام مع الغسلين والغساق وباقي هذه الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع‏!‏

وواضح أننا لا نملك في الدنيا أن ندرك طبيعة هذا العذاب في الآخرة‏.‏ إنما تجيء هذه الأوصاف لتلمس في حسنا البشري أقصى ما يملك تصوره من الألم، الذي يتجمع من الذل والوهن والخيبة ومن لسع النار الحامية، ومن التبرد والارتواء بالماء الشديد الحرارة‏!‏ والتغذي بالطعام الذي لا تقوى الإبل على تذوقه، وهو شوك لا نفع فيه ولا غناء‏.‏‏.‏ من مجموعة هذه التصورات يتجمع في حسنا إدراك لأقصى درجات الألم‏.‏ وعذاب الآخرة بعد ذلك أشد‏.‏ وطبيعته لا يتذوقها إلا من يذوقها والعياذ بالله‏!‏

وعلى الجانب الآخر‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ ناعمة‏.‏ لسعيها راضية‏:‏ في جنة عالية‏.‏ لا تسمع فيها لاغية‏.‏ فيها عين جارية‏.‏ فيها سرر مرفوعة‏.‏ وأكواب موضوعة‏.‏ ونمارق مصفوفة‏.‏ وزرابي مبثوثة‏}‏‏.‏‏.‏

فهنا وجوه يبدو فيها النعيم‏.‏ ويفيض منها الرضى‏.‏ وجوه تنعم بما تجد، وتحمد ما عملت‏.‏ فوجدت عقباه خيراً، وتستمتع بهذا الشعور الروحي الرفيع‏.‏ شعور الرضى عن عملها حين ترى رضى الله عنها‏.‏ وليس أروح للقلب من أن يطمئن إلى الخير ويرضى عاقبته، ثم يراها ممثلة في رضى الله الكريم‏.‏ وفي النعيم‏.‏ ومن ثم يقدم القرآن هذا اللون من السعادة على ما في الجنة من رخاء ومتاع، ثم يصف الجنة ومناعمها المتاحة لهؤلاء السعداء‏:‏

‏{‏في جنة عالية‏}‏‏.‏‏.‏ عالية في ذاتها رفيعة مجيدة‏.‏ ثم هي عالية الدرجات‏.‏ وعالية المقامات‏.‏ وللعلو في الحس إيقاع خاص‏.‏

‏{‏لا تسمع فيها لاغية‏}‏‏.‏‏.‏ ويطلق هذا التعبير جواً من السكون والهدوء والسلام والاطمئنان والود والرضى والنجاء والسمر بين الأحباء والأوداء، والتنزه والارتفاع عن كل كلمة لاغية، لا خير فيها ولا عافية‏.‏‏.‏ وهذه وحدها نعيم‏.‏ وهذه وحدها سعادة‏.‏ سعادة تتبين حين يستحضر الحس هذه الحياة الدنيا، وما فيها من لغو وجدل وصراع وزحام ولجاج وخصام وقرقعة وفرقعة‏.‏ وضجة وصخب، وهرج ومرج‏.‏ ثم يستسلم بعد ذلك لتصور الهدوء والأمن والسلام الساكن والود الرضي والظل الندي في العبارة الموحية‏:‏ ‏{‏لا تسمع فيها لاغية‏}‏ وألفاظها ذاتها تنسم الروح والندى وتنزلق في نعومة ويسر، وفي إيقاع موسيقي ندي رخي‏!‏ وتوحي هذه اللمسة بأن حياة المؤمنين في الأرض وهم ينأون عن الجدل واللغو، هي طرف من حياة الجنة، يتهيأون بها لذلك النعيم الكريم‏.‏

وهكذا يقدم الله من صفة الجنة هذا المعنى الرفيع الكريم الوضيء‏.‏ ثم تجيء المناعم التي تشبع الحس والحواس‏.‏ تجيء في الصورة التي يملك البشر تصورها‏.‏ وهي في الجنة مكيفة وفق ما ترتقي إليه نفوس أهل الجنة‏.‏ مما لا يعرفه إلا من يذوقه‏!‏

‏{‏فيها عين جارية‏}‏‏.‏‏.‏ والعين الجارية‏:‏ الينبوع المتدفق‏.‏ وهو يجمع إلى الري الجمال‏.‏ جمال الحركة والتدفق والجريان‏.‏ والماء الجاري يجاوب الحس بالحيوية وبالروح التي تنتفض وتنبض‏!‏ وهو متعة للنظر والنفس من هذا الجانب الخفي، الذي يتسرب إلى أعماق الحس‏.‏

‏{‏فيها سرر مرفوعة‏}‏‏.‏‏.‏ والارتفاع يوحي بالنظافة كما يوحي بالطهارة‏.‏‏.‏ ‏{‏وأكواب موضوعة‏}‏‏.‏‏.‏ مصفوفة مهيأة للشراب لا تحتاج إلى طلب ولا إعداد ‏{‏ونمارق مصفوفة‏}‏‏.‏‏.‏ والنمارق الوسائد والحشايا للاتكاء في ارتياح‏!‏ ‏{‏وزرابي مبثوثة‏}‏‏.‏‏.‏ والزرابي البسط ذات الخمل «السجاجيد» مبثوثة هنا وهناك للزينة وللراحة سواء‏!‏

وكلها مناعم مما يشهد الناس له أشباها في الأرض‏.‏ وتذكر هذه الأشياء لتقريبها إلى مدارك أهل الأرض‏.‏ أما طبيعتها وطبيعة المتاع بها فهي موكولة إلى المذاق هناك‏.‏ للسعداء الذين يقسم الله لهم هذا المذاق‏!‏

ومن اللغو الدخول في موازنات أو تحقيقات حول طبيعة النعيم أو طبيعة العذاب في الآخرة‏.‏ فإدراك طبيعة شيء ما متوقف على نوع هذا الإدراك‏.‏ وأهل الأرض يدركون بحس مقيد بظروف هذه الأرض وطبيعة الحياة فيها‏.‏ فإذا كانوا هناك رفعت الحجب وأزيلت الحواجز وانطلقت الأرواح والمدارك، وتغيرت مدلولات الألفاظ ذاتها بحكم تغير مذاقها، وكان ما سيكون، مما لا نملك أن ندرك الآن كيف يكون‏!‏

إنما نفيد من هذه الأوصاف أن يستحضر أقصى ما يطيقه من صور اللذاذة والحلاوة والمتاع‏.‏ وهو ما نملك تذوقه ما دمنا هنا‏.‏ حتى نعرف حقيقته هناك‏.‏ حين يكرمنا الله بفضله ورضاه‏.‏

وتنتهي هذه الجولة في العالم الآخر، فيؤوب منها إلى هذا الوجود الظاهر‏.‏ الحاضر‏.‏ الموحي بقدرة القادر وتدبير المدبر، وتميز الصنعة، وتفرد الطابع‏.‏ الدال على أن وراء التدبير والتقدير أمراً بعد هذه الحياة، وشأناً غير شأن الأرض‏.‏ وخاتمة غير خاتمة الموت‏:‏

‏{‏أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وتجمع هذه الآيات الأربعة القصار، أطراف بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن أول مرة‏.‏ كما تضم أطراف الخلائق البارزة في الكون كله‏.‏ حين تتضمن السماء والأرض والجبال والجمال ‏(‏ممثلة لسائر الحيوان‏)‏ على مزية خاصة بالإبل في خلقها بصفة عامة وفي قيمتها للعربي بصفة خاصة‏.‏

إن هذه المشاهد معروضة لنظر الإنسان حيثما كان‏.‏‏.‏ السماء والأرض والجبال والحيوان‏.‏

‏.‏ وأياً كان حظ الإنسان من العلم والحضارة فهذه المشاهد داخلة في عالمه وإدراكه‏.‏ موحية له بما وراءها حين يوجه نظره وقلبه إلى دلالتها‏.‏

والمعجزة كامنة في كل منها‏.‏ وصنعة الخالق فيها معلمة لا نظير لها‏.‏ وهي وحدها كافية لأن توحي بحقيقة العقيدة الأولى‏.‏ ومن ثم يوجه القرآن الناس كافة إليها‏:‏

‏{‏أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ والإبل حيوان العربي الأول‏.‏ عليها يسافر ويحمل‏.‏ ومنها يشرب ويأكل‏.‏ ومن أوبارها وجلودها يلبس وينزل‏.‏ فهي مورده الأول للحياة‏.‏ ثم إن لها خصائص تفردها من بين الحيوان‏.‏ فهي على قوتها وضخامتها وضلاعة تكوينها ذلول يقودها الصغير فتنقاد، وهي على عظم نفعها وخدمتها قليلة التكاليف‏.‏ مرعاها ميسر، وكلفتها ضئيلة، وهي أصبر الحيوان المستأنس على الجوع والعطش والكدح وسوء الأحوال‏.‏‏.‏ ثم إن لهيئتها مزية في تناسق المشهد الطبيعي المعروض كما سيجيء‏.‏‏.‏

لهذا كله يوجه القرآن أنظار المخاطبين إلى تدبر خلق الإبل؛ وهي بين أيديهم، لا تحتاج منهم إلى نقلة ولا علم جديد‏.‏‏.‏ ‏{‏أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ أفلا ينظرون إلى خلقتها وتكوينها‏؟‏ ثم يتدبرون‏:‏ كيف خلقت على هذا النحو المناسب لوظيفتها، المحقق لغاية خلقها، المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميعاً‏!‏ إنهم لم يخلقوها‏.‏ وهي لم تخلق نفسها، فلا يبقى إلا أن تكون من إبداع المبدع المتفرد بصنعته، التي تدل عليه، وتقطع بوجوده؛ كما تشي بتدبيره وتقديره‏.‏

‏{‏وإلى السماء كيف رفعت‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ وتوجيه القلب إلى السماء يتكرر في القرآن‏.‏ وأولى الناس بأن يتوجهوا إلى السماء هم سكان الصحراء‏.‏ حيث للسماء طعم ومذاق، وإيقاع وإيحاء، كأنما ليست السماء إلا هناك في الصحراء‏!‏

السماء بنهارها الواضح الباهر الجاهر‏.‏ والسماء بأصيلها الفاتن الرائق الساحر‏.‏ والسماء بغروبها البديع الفريد الموحي‏.‏ والسماء بليلها المترامي ونجومها المتلألئة وحديثها الفاتر‏.‏ والسماء بشروقها الجميل الحي السافر‏.‏

هذه السماء‏.‏ في الصحراء‏.‏‏.‏ أفلا ينظرون إليها‏؟‏ أفلا ينظرون إليها كيف رفعت‏؟‏ من ذا رفعها بلا عمد‏؟‏ ونثر فيها النجوم بلا عدد‏؟‏ وجعل فيها هذه البهجة وهذا الجمال وهذا الإيحاء‏؟‏ إنهم لم يرفعوها وهي لم ترفع نفسها‏.‏ فلا بد لها من رافع ولا بد لها من مبدع‏.‏ لا يحتاج الأمر إلى علم ولا إلى كد ذهن‏.‏ فالنظرة الواعية وحدها تكفي‏.‏‏.‏

‏{‏وإلى الجبال كيف نصبت‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ والجبال عند العربي بصفة خاصة ملجأ وملاذ، وأنيس وصاحب، ومشهدها يوحي إلى النفس الإنسانية بصفة عامة جلالاً واستهوالاً‏.‏ حيث يتضاءل الإنسان إلى جوارها ويستكين، ويخشع للجلال السامق الرزين‏.‏ والنفس في أحضان الجبل تتجه بطبيعتها إلى الله؛ وتشعر أنها إليه أقرب، وتبعد عن واغش الأرض وضجيجها وحقاراتها الصغيرة‏.‏ ولم يكن عبثاً ولا مصادفة أن يتحنث محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء في جبل ثور‏.‏ وأن يتجه إلى الجبل من يريدون النجوة بأرواحهم فترات من الزمان‏!‏

والجبال هنا ‏{‏كيف نصبت‏}‏ لأن هذه اللمحة تتفق من الناحية التصويرية مع طبيعة المشهد كما سيجيء‏.‏

‏{‏وإلى الأرض كيف سطحت‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ والأرض مسطوحة أمام النظر، ممهدة للحياة والسير والعمل، والناس لم يسطحوها كذلك‏.‏ فقد سحطت قبل أن يكونوا هم‏.‏‏.‏ أفلا ينظرون إليها ويتدبرون ما وراءها، ويسألون‏:‏ من سطحها ومهدها هكذا للحياة تمهيداً‏؟‏

إن هذه المشاهد لتوحي إلى القلب شيئاً‏.‏ بمجرد النظر الواعي والتأمل الصاحي‏.‏ وهذا القدر يكفي لاستجاشة الوجدان واستحياء القلب‏.‏ وتحرك الروح نحو الخالق المبدع لهذه الخلائق‏.‏

ونقف وقفة قصيرة أمام جمال التناسق التصويري لمجموعة المشهد الكوني لنرى كيف يخاطب القرآن الوجدان الديني بلغة الجمال الفني، وكيف يعتنقان في حس المؤمن الشاعر بجمال الوجود‏.‏‏.‏

إن المشهد الكلي يضم مشهد السماء المرفوعة والأرض المبسوطة‏.‏ وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال ‏{‏منصوبة‏}‏ السنان لا راسية ولا ملقاة، وتبرز الجمال منصوبة السنام‏.‏‏.‏ خطان أفقيان وخطان رأسيان في المشهد الهائل في المساحة الشاسعة‏.‏ ولكنها لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات‏!‏ على طريقة القرآن في عرض المشاهد، وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال‏.‏

والآن بعد الجولة الأولى في عالم الآخرة، والجولة الثانية في مشاهد الكون المعروضة، يلتفت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يوجهه إلى حدود واجبه وطبيعة وظيفته، ويلمس قلوبهم اللمسة الأخيرة الموقظة‏:‏

‏{‏فذكر إنما أنت مذكر‏.‏ لست عليهم بمسيطر‏.‏ إلا من تولى وكفر‏.‏ فيعذبه الله العذاب الأكبر‏.‏ إن إلينا إيابهم‏.‏ ثم إن علينا حسابهم‏}‏‏.‏‏.‏

فذكر بهذا وذاك‏.‏ ذكرهم بالآخرة وما فيها‏.‏ وذكرهم بالكون وما فيه‏.‏ إنما أنت مذكر‏.‏ هذه وظيفتك على وجه التحديد‏.‏ وهذا دورك في هذه الدعوة، ليس لك ولا عليك شيء وراءه‏.‏ عليك أن تذكر‏.‏ فإنك ميسر لهذا ومكلف إياه‏.‏

‏{‏لست عليهم بمسيطر‏}‏‏.‏‏.‏ فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئاً‏.‏ حتى تقهرها وتقسرها على الإيمان‏.‏ فالقلوب بين أصابع الرحمن، لا يقدر عليها إنسان‏.‏

فأما الجهاد الذي كتب بعد ذلك فلم يكن لحمل الناس على الإيمان‏.‏ إنما كان لإزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس‏.‏ فلا يمنعوا من سماعها‏.‏ ولا يفتنوا عن دينهم إذا سمعوها‏.‏ كان لإزالة العقبات من طريق التذكير‏.‏ الدور الوحيد الذي يملكه الرسول‏.‏

وهذا الإيحاء بأن ليس للرسول من أمر هذه الدعوة شيء إلا التذكير والبلاغ يتكرر في القرآن لأسباب شتى‏.‏ في أولها إعفاء أعصاب الرسول من حمل هم الدعوة بعد البلاغ، وتركها لقدر الله يفعل بها ما يشاء‏.‏ فإلحاح الرغبة البشرية بانتصار دعوة الخير وتناول الناس لهذا الخير، إلحاح عنيف جداً يحتاج إلى هذا الإيحاء المتكرر بإخراج الداعية لنفسه ولرغائبه هذه من مجال الدعوة، كي ينطلق إلى أدائها كائنة ما كانت الاستجابة، وكائنة ما كانت العاقبة‏.‏ فلا يعني نفسه بهمّ من آمن وهمّ من كفر‏.‏

ولا يشغل باله بهذا الهم الثقيل حين تسوء الأحوال من حول الدعوة، وتقل الاستجابة، ويكثر المعرضون والمخاصمون‏.‏

ومما يدل على إلحاح الرغبة البشرية في انتصار دعوة الله وتذوق الناس لما فيها من خير ورحمة، هذه التوجيهات المتكررة للرسول صلى الله عليه وسلم وهو من هو تأدباً بأدب الله ومعرفة لحدوده ولقدر الله‏.‏‏.‏ ومن ثم اقتضى إلحاح هذه الرغبة هذا العلاج الطويل المتكرر في شتى الأحيان‏.‏‏.‏

ولكن إذا كان هذا هو حد الرسول، فإن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد‏.‏ ولا يذهب المكذبون ناجين، ولا يتولون سالمين‏.‏ إن هنالك الله وإليه تصير الأمور‏:‏

‏{‏إلا من تولى وكفر‏.‏ فيعذبه الله العذاب الأكبر‏}‏‏.‏‏.‏

وهم راجعون إلى الله وحده قطعاً، وهو مجازيهم وحده حتماً‏.‏ وهذا هو الإيقاع الختامي في السورة في صيغة الجزم والتوكيد‏.‏

‏{‏إن إلينا إيابهم‏.‏ ثم إن علينا حسابهم‏}‏‏.‏‏.‏

بهذا يتحدد دور الرسول في هذه الدعوة‏.‏ ودور كل داعية إليها بعده‏.‏‏.‏ إنما أنت مذكر وحسابهم بعد ذلك على الله‏.‏ ولا مفر لهم من العودة إليه، ولا محيد لهم من حسابه وجزائه‏.‏ غير أنه ينبغي أن نفهم أن من التذكير إزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس وليتم التذكير‏.‏ فهذه وظيفة الجهاد كما تفهم من القرآن ومن سيرة الرسول سواء، بلا تقصير فيها ولا اعتداء‏.‏‏.‏

سورة الفجر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 30‏]‏

‏{‏وَالْفَجْرِ ‏(‏1‏)‏ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ‏(‏2‏)‏ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ‏(‏4‏)‏ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ‏(‏6‏)‏ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ‏(‏7‏)‏ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ‏(‏8‏)‏ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ‏(‏9‏)‏ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ‏(‏11‏)‏ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ‏(‏12‏)‏ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ‏(‏13‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ‏(‏14‏)‏ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ‏(‏15‏)‏ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ‏(‏16‏)‏ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ‏(‏17‏)‏ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ‏(‏18‏)‏ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ‏(‏19‏)‏ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ‏(‏20‏)‏ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ‏(‏21‏)‏ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ‏(‏22‏)‏ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ‏(‏23‏)‏ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ‏(‏24‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ‏(‏25‏)‏ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ‏(‏26‏)‏ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ‏(‏27‏)‏ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ‏(‏28‏)‏ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ‏(‏29‏)‏ وَادْخُلِي جَنَّتِي ‏(‏30‏)‏‏}‏

هذه السورة في عمومها حلقة من حلقات هذا الجزء في الهتاف بالقلب البشري إلى الإيمان والتقوى واليقظة والتدبر‏.‏‏.‏ ولكنها تتضمن ألواناً شتى من الجولات والإيقاعات والظلال‏.‏ ألواناً متنوعة تؤلف من تفرقها وتناسقها لحناً واحداً متعدد النغمات موحد الإيقاع‏!‏

في بعض مشاهدها جمال هادئ رفيق ندي السمات والإيقاعات، كهذا المطلع الندي بمشاهده الكونية الرقيقة، وبظل العبادة والصلاة في ثنايا تلك المشاهد‏.‏‏.‏ ‏{‏الفجر‏.‏ وليال عشر‏.‏ والشفع والوتر‏.‏ والليل إذا يسر‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

وفي بعض مشاهدها شد وقصف‏.‏ سواء مناظرها أو موسيقاها كهذا المشهد العنيف المخيف‏:‏ ‏{‏كلا‏.‏ إذا دكت الأرض دكاً دكاً‏.‏ وجاء ربك والملك صفاً صفاً‏.‏ وجيء يومئذ بجهنم‏.‏ يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى‏.‏ يقول‏:‏ يا ليتني قدمت لحياتي‏.‏ فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد‏}‏‏.‏‏.‏ وفي بعض مشاهدها نداوة ورقة ورضى يفيض وطمأنينة‏.‏ تتناسق فيها المناظر والأنغام، كهذا الختام‏:‏ ‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية‏.‏ فادخلي في عبادي وادخلي جنتي‏}‏‏.‏‏.‏

وفيها إشارات سريعة لمصارع الغابرين المتجبرين، وإيقاعها بين بين‏.‏ بين إيقاع القصص الرخي وإيقاع المصرع القوي‏:‏ ‏{‏ألم تر كيف فعل ربك بعاد‏.‏ إرم ذات العماد‏.‏ التي لم يخلق مثلها في البلاد‏.‏ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد‏.‏ وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد‏.‏ فصب عليهم ربك سوط عذاب‏.‏ إن ربك لبالمرصاد‏}‏‏.‏

وفيها بيان لتصورات الإنسان غير الإيمانية وقيمه غير الإيمانية‏.‏ وهي ذات لون خاص في السورة تعبيراً وإيقاعاً‏:‏ ‏{‏فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول‏:‏ ربي أكرمن‏.‏ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول‏:‏ ربي أهانن‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ثم الرد على هذه التصورات ببيان حقيقة حالهم التي تنبع منها هذه التصورات‏.‏ وهي تشمل لونين من ألوان العبارة والتنغيم‏:‏ ‏{‏كلا‏.‏ بل لا تكرمون اليتم‏.‏ ولا تحاضون على طعام المسكين‏.‏ وتأكلون التراث أكلاً لما، وتحبون المال حباً جماً‏}‏‏.‏‏.‏

ويلاحظ أَن هذا اللون الأخير هو قنطرة بين تقرير حالهم وما ينتظرهم في مآلهم‏.‏ فقد جاء بعده‏:‏ ‏{‏كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏}‏‏.‏‏.‏ فهو وسط في شدة التنغيم بين التقرير الأول والتهديد الأخير‏!‏

ومن هذا الاستعراض السريع تبدو الألوان المتعددة في مشاهد السورة‏.‏ وإيقاعاتها في تعبيرها وفي تنغيمها‏.‏‏.‏ كما يبدو تعدد نظام الفواصل وتغير حروف القوافي‏.‏ بحسب تنوع المعاني والمشاهد‏.‏ فالسورة من هذا الجانب نموذج واف لهذا الأفق من التناسق الجمالي في التعبير القرآني‏.‏ فوق ما فيها عموماً من جمال ملحوظ مأنوس‏!‏

فأما أغراض السورة الموضوعية التي يحملها هذا التعبير المتناسق الجميل‏.‏ فنعرضها فيما يلي بالتفصيل‏:‏

‏{‏والفجر وليال عشر‏.‏ والشفع والوتر‏.‏ والليل إذا يسر‏.‏ هل في ذلك قسم لذي حجر‏؟‏‏}‏‏.‏

هذا القسم في مطلع السورة يضم هذه المشاهد والخلائق‏.‏ ذات الأرواح اللطيفة المأنوسة الشفيفة‏:‏ ‏{‏والفجر‏}‏‏.‏‏.‏ ساعة تنفس الحياة في يسر، وفرح، وابتسام، وإيناس ودود ندي، والوجود الغافي يستيقظ رويداً رويداً، وكأن أنفاسه مناجاة، وكأن تفتحه ابتهال‏!‏

‏{‏وليال عشر‏}‏ أطلقها النص القرآني ووردت فيها روايات شتى‏.‏‏.‏ قيل هي العشر من ذي الحجة، وقيل هي العشر من المحرم‏.‏ وقيل هي العشر من رمضان‏.‏‏.‏ وإطلاقها هكذا أوقع وأندى‏.‏ فهي ليال عشر يعلمها الله‏.‏ ولها عنده شأن‏.‏ تلقي في السياق ظل الليلات ذات الشخصية الخاصة‏.‏ وكأنها خلائق حية معينة ذوات أرواح، تعاطفنا ونعاطفها من خلال التعبير القرآني الرفاف‏!‏

‏{‏والشفع والوتر‏}‏‏.‏‏.‏ يطلقان روح الصلاة والعبادة في ذلك الجو المأنوس الحبيب‏.‏ جو الفجر والليالي العشر‏.‏‏.‏ «ومن الصلاة الشفع والوتر» ‏(‏كما جاء في حديث أخرجه الترمذي‏)‏ وهذا المعنى هو أنسب المعاني في هذا الجو‏.‏ حيث تلتقي روح العبادة الخاشعة، بروح الوجود الساجية‏!‏ وحيث تتجاوب الأرواح العابدة مع أرواح الليالي المختارة، وروح الفجر الوضيئة‏.‏

‏{‏والليل إذا يسر‏}‏‏.‏‏.‏ والليل هنا مخلوق حي، يسري في الكون، وكأنه ساهر يجول في الظلام‏!‏ أو مسافر يختار السرى لرحلته البعيدة‏!‏ يا لأناقة التعبير‏!‏ ويا لأنس المشهد‏!‏ ويا لجمال النغم‏!‏ ويا للتناسق مع الفجر، والليالي العشر‏.‏ والشفع والوتر‏!‏

إنها ليست ألفاظاً وعبارات‏.‏ إنما هي أنسام من أنسام الفجر، وأنداء مشعشعة بالعطر‏!‏ أم إنه النجاء الأليف للقلب‏؟‏ والهمس اللطيف للروح‏؟‏ واللمس الموحي للضمير‏؟‏

إنه الجمال‏.‏‏.‏ الجمال الحبيب الهامس اللطيف‏.‏ الجمال الذي لا يدانيه جمال التصورات الشاعرية الطليقة‏.‏ لأنه الجمال الإبداعي، المعبر في الوقت ذاته عن حقيقة‏.‏

ومن ثم يعقب عليه في النهاية‏:‏ ‏{‏هل في ذلك قسم لذي حجر‏}‏‏؟‏ وهو سؤال للتقرير‏.‏ إن في ذلك قسماً لذي لب وعقل‏.‏ إن في ذلك مقنعاً لمن له إدراك وفكر‏.‏ ولكن صيغة الاستفهام مع إفادتها التقرير أرق حاشية‏.‏ فهي تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق‏!‏

أما المقسم عليه بذلك القسم، فقد طواه السياق، ليفسره ما بعده، فهو موضوع الطغيان والفساد، وأخذ ربك لأهل الطغيان والفساد، فهو حق واقع يقسم عليه بذلك القسم في تلميح يناسب لمسات السورة الخفيفة على وجه الإجمال‏:‏

‏{‏ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد‏؟‏ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد‏؟‏ وفرعون ذى الأوتاد‏؟‏‏.‏‏.‏ الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب‏؟‏ إن ربك لبالمرصاد‏}‏‏.‏‏.‏

وصيغة الاستفهام في مثل هذا السياق أشد إثارة لليقظة والالتفات‏.‏ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء‏.‏ ثم هو لكل من تتأتى منه الرؤية أو التبصر في مصارع أولئك الأقوام، وكلها مما كان المخاطبون بالقرآن أول مرة يعرفونه؛ ومما تشهد به الآثار والقصص الباقية في الأجيال المتعاقبة، وإضافة الفعل إلى ‏{‏ربك‏}‏ فيها للمؤمن طمأنينة وأنس وراحة‏.‏

وبخاصة أولئك الذين كانوا في مكة يعانون طغيان الطغاة، وعسف الجبارين من المشركين، الواقفين للدعوة وأهلها بالمرصاد‏.‏

وقد جمع الله في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ القديم‏.‏‏.‏ مصرع‏:‏ «عاد إرم» وهي عاد الأولى‏.‏ وقيل‏:‏ إنها من العرب العاربة أو البادية‏.‏ وكان مسكنهم بالأحقاف وهي كثبان الرمال‏.‏ في جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن‏.‏ وكانوا بدواً ذوي خيام تقوم على عماد‏.‏ وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها‏:‏ ‏{‏التي لم يخلق مثلها في البلاد‏}‏ في ذلك الأوان‏.‏‏.‏

‏{‏وثمود الذين جابوا الصخر بالواد‏}‏‏.‏‏.‏ وكانت ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام‏.‏ وقد قطعت الصخر وشيدته قصوراً؛ كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات‏.‏‏.‏

‏{‏وفرعون ذي الأوتاد‏}‏‏.‏‏.‏ وهي على الأرجح الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان‏.‏ وفرعون المشار إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية الجبار‏.‏

هؤلاء هم ‏{‏الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد‏}‏‏.‏‏.‏ وليس وراء الطغيان إلا الفساد‏.‏ فالطغيان يفسد الطاغية، ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء‏.‏ كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة‏.‏ ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف، المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال‏.‏‏.‏

إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيفسد هو أول من يفسد؛ ويتخذ له مكاناً في الأرض غير مكان العبد المستخلف؛ وكذلك قال فرعون‏.‏‏.‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ عندما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد‏.‏

ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية‏.‏ والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن، وتصبح مرتعاً لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة‏.‏ وميداناً للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك‏.‏ وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد‏.‏‏.‏

ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة، لأنها خطر على الطغاة والطغيان‏.‏ فلا بد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة، وتراها مقبولة مستساغة‏.‏‏.‏ وهو فساد أي فساد‏.‏

فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد‏:‏

‏{‏فصب عليهم ربك سوط عذاب‏.‏ إن ربك لبالمرصاد‏}‏‏.‏‏.‏

فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم‏.‏ فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب‏.‏ حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد‏.‏

ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان‏.‏ ومن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏ تفيض طمأنينة خاصة‏.‏ فربك هناك‏.‏ راصد لا يفوته شيء‏.‏ مراقب لا يند عنه شيء‏.‏ فليطمئن بال المؤمن، ولينم ملء جفونه‏.‏ فإن ربه هناك‏!‏‏.‏‏.‏ بالمرصاد‏.‏‏.‏ للطغيان والشر والفساد‏!‏

وهكذا نرى هنا نماذج من قدر الله في أمر الدعوة، غير النموذج الذي تعرضه سورة البروج لأصحاب الأخدود‏.‏ وقد كان القرآن ولا يزال يربي المؤمنين بهذا النموذج وذاك‏.‏ وفق الحالات والملابسات‏.‏ ويعد نفوس المؤمنين لهذا وذاك على السواء‏.‏ لتطمئن على الحالين‏.‏ وتتوقع الأمرين، وتكل كل شيء لقدر الله يجريه كما يشاء‏.‏

‏{‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏‏.‏‏.‏ يرى ويحسب ويحاسب ويجازي، وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور لكن بحقائق الأشياء‏.‏‏.‏ فأما الإنسان فتخطئ موازينه وتضل تقديراته، ولا يرى إلا الظواهر، ما لم يتصل بميزان الله‏:‏

‏{‏فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول‏:‏ ربي أكرمن‏.‏ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول‏:‏ ربي أهانن‏}‏‏.‏‏.‏

فهذا هو تصور الإنسان لما يبتليه الله به من أحوال، ومن بسط وقبض، ومن توسعة وتقدير‏.‏‏.‏ يبتليه بالنعمة والإكرام‏.‏ بالمال أو المقام‏.‏ فلا يدرك أنه الابتلاء، تمهيداً للجزاء‏.‏ إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلاً على استحقاقه عند الله للأكرام، وعلامة على اصطفاء الله له واختياره‏.‏ فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة‏!‏ ويقيس الكرامة عند الله بعرض هذه الحياة‏!‏ ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق، فيحسب الابتلاء جزاء كذلك، ويحسب الاختبار عقوبة، ويرى في ضيق الرزق مهانة عند الله، فلو لم يرد مهانته ما ضيق عليه رزقه‏.‏‏.‏

وهو في كلتا الحالتين مخطئ في التصور ومخطئ في التقدير‏.‏ فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من الله لعبده‏.‏ ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر‏.‏ ويظهر منه الصبر على المحنة او الضجر‏.‏ والجزاء على ما يظهر منه بعد‏.‏ وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء‏.‏‏.‏ وقيمة العبد عند الله لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا‏.‏ ورضى الله أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض‏.‏ فهو يعطي الصالح والطالح، ويمنع الصالح والطالح‏.‏ ولكن ما وراء هذا وذلك هو الذي عليه المعول‏.‏ إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي‏.‏ والمعول عليه هو نتيجة الابتلاء‏!‏

غير أن الإنسان حين يخلو قلبه من الإيمان لا يدرك حكمة المنع والعطاء‏.‏ ولا حقيقة القيم في ميزان الله‏.‏‏.‏ فإذا عمر قلبه بالإيمان اتصل وعرف ما هنالك‏.‏ وخفت في ميزانه الأعراض الزهيدة، وتيقظ لما وراء الابتلاء من الجزاء، فعمل له في البسط والقبض سواء‏.‏ واطمأن إلى قدر الله به في الحالين؛ وعرف قدره في ميزان الله بغير هذه القيم الظاهرة الجوفاء‏!‏

وقد كان القرآن يخاطب في مكة أناساً يوجد أمثالهم في كل جاهلية تفقد اتصالها بعالم أرفع من الأرض وأوسع أناساً ذلك ظنهم بربهم في البسط والقبض‏.‏

وذلك تقديرهم لقيم الناس في الأرض‏.‏ ذلك أن المال والجاه عندهم كل شيء‏.‏ وليس وراءهما مقياس‏!‏ ومن ثم كان تكالبهم على المال عظيماً، وحبهم له حباً طاغياً، مما يورثهم شراهة وطمعاً‏.‏ كما يورثهم حرصاً وشحاً‏.‏‏.‏ ومن ثم يكشف لهم عن ذوات صدورهم في هذا المجال، ويقرر أن هذا الشره والشح هما علة خطئهم في إدراك معنى الابتلاء من وراء البسط والقبض في الأرزاق‏.‏

‏{‏كلا‏.‏ بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين‏.‏ وتأكلون التراث أكلاً لما، وتحبون المال حباً جما‏}‏‏.‏‏.‏

كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان‏.‏ ليس بسط الرزق دليلاً على الكرامة عند الله‏.‏ وليس تضييق الرزق دليلاً على المهانة والإهمال‏.‏ إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء، ولا توفون بحق المال‏.‏ فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه، ولا تتحاضون فيما بينكم على إطعام المسكين‏.‏ الساكن الذي لا يتعرض للسؤال وهو محتاج‏!‏ وقد اعتبر عدم التحاض والتواصي على إطعام المسكين قبيحاً مستنكراً‏.‏ كما يوحي بضرورة التكافل في الجماعة في التوجيه إلى الواجب وإلى الخير العام‏.‏ وهذه سمة الإسلام‏.‏

‏.‏‏.‏ إنكم لا تدركون معنى الابتلاء‏.‏ فلا تحاولون النجاح فيه، بإكرام اليتيم والتواصي على إطعام المسكين، بل أنتم على العكس تأكلون الميراث أكلاً شرهاً جشعاً؛ وتحبون المال حباً كثيراً طاغياً، لا يستبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والطعام‏.‏

وقد كان الإسلام يواجه في مكة كما ذكرنا من قبل حالة من التكالب على جمع المال بكافة الطرق، تورث القلوب كزازة وقساوة‏.‏ وكان ضعف اليتامى مغرياً بانتهاب أموالهم وبخاصة الإناث منهم في صور شتى؛ وبخاصة ما يتعلق بالميراث ‏(‏كما سبق بيانه في مواضع متعددة في الظلال‏)‏ كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام‏.‏ وهي سمة الجاهليات في كل زمان ومكان‏!‏ حتى الآن‏!‏

وفي هذه الآيات فوق الكشف عن واقع نفوسهم، تنديد بهذا الواقع، وردع عنه، يتمثل في تكرار كلمة ‏{‏كلا‏}‏ كما يتمثل في بناء التعبير وإيقاعه، وهو يرسم بجرسه شدة التكالب وعنفه‏:‏

‏{‏وتأكلون التراث أكلاً لما‏.‏ وتحبون المال حباً جما‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

وعند هذا الحد من فضح حقيقة حالهم المنكرة، بعد تصوير خطأ تصورهم في الابتلاء بالمنع والعطاء‏.‏ يجيء التهديد الرعيب بيوم الجزاء وحقيقته، بعد الابتلاء ونتيجته، في إيقاع شديد‏:‏

‏{‏كلا‏.‏ إذا دكت الأرض دكاً دكا‏.‏ وجآء ربك والملك صفاً صفا‏.‏ وجيء يومئذ بجهنم‏.‏

يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى‏؟‏ يقول‏:‏ يا ليتني قدمت لحياتي‏.‏ فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد‏}‏‏.‏‏.‏

ودك الأرض، تحطيم معالمها وتسويتها؛ وهو أحد الانقلابات الكونية التي تقع في يوم القيامة‏.‏ فأما مجيء ربك والملائكة صفاً صفا، فهو أمر غيبي لا ندرك طبيعته ونحن في هذه الأرض‏.‏ ولكنا نحس وراء التعبير بالجلال والهول‏.‏ كذلك المجيء بجهنم‏.‏ نأخذ منه قربها منهم وقرب المعذبين منها وكفى‏.‏ فأما حقيقة ما يقع وكيفيته فهي من غيب الله المكنون ليومه المعلوم‏.‏

إنما يرتسم من وراء هذه الآيات، ومن خلال موسيقاها الحادة التقسيم، الشديدة الأسر، مشهد ترجف له القلوب، وتخشع له الأبصار‏.‏ والأرض تدك دكاً دكا‏!‏ والجبار المتكبر يتجلى ويتولى الحكم والفصل، ويقف الملائكة صفاً صفا‏.‏ ثم يجاء بجهنم فتقف متأهبة هي الأخرى‏!‏

‏{‏يومئذ يتذكر الإنسان‏}‏‏.‏‏.‏ الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء‏.‏ والذي أكل التراث أكلاً لما، وأحب المال حباً جما‏.‏ والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين‏.‏ والذي طغى وأفسد وتولى‏.‏‏.‏ يومئذ يتذكر‏.‏ يتذكر الحق ويتعظ بما يرى‏.‏‏.‏ ولكن لقد فات الأوان ‏{‏وأنَّى له الذكرى‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ ولقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً‏!‏ وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا‏!‏

وحين تتجلى له هذه الحقيقة‏:‏ ‏{‏يقول‏:‏ يا ليتني قدمت لحياتي‏}‏‏.‏‏.‏ يا ليتني قدمت شيئاً لحياتي هنا‏.‏ فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة‏.‏ وهي التي تستأهل الاستعداد والتقدمة والادخار لها‏.‏ يا ليتني‏.‏‏.‏ أمنية فيها الحسرة الظاهرة، وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة‏!‏

ثم يصور مصيره بعد الحسرة الفاجعة والتمنيات الضائعة‏:‏ ‏{‏فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد‏}‏‏.‏‏.‏ إنه الله القهار الجبار‏.‏ الذي يعذب يومئذ عذابه الفذ الذي لا يملك مثله أحد‏.‏ والذي يوثق وثاقه الفذ الذي لا يوثق مثله أحد‏.‏ وعذاب الله ووثاقه يفصلهما القرآن في مواضع أخرى في مشاهد القيامة الكثيرة المنوعة في ثنايا القرآن كله، ويجملهما هنا حيث يصفهما بالتفرد بلا شبيه من عذاب البشر ووثاقهم‏.‏ أو عذاب الخلق جميعاً ووثاقهم‏.‏ وذلك مقابل ما أسلف في السورة من طغيان الطغاة ممثلين في عاد وثمود وفرعون، وإكثارهم من الفساد في الأرض، مما يتضمن تعذيب الناس وربطهم بالقيود والأغلال‏.‏ فها هو ذا ربك أيها النبي وأيها المؤمن يعذب ويوثق من كانوا يعذبون الناس ويوثقونهم‏.‏ ولكن شتان بين عذاب وعذاب، ووثاق ووثاق‏.‏‏.‏ وهان ما يملكه الخلق من هذا الأمر، وجل ما يفعله صاحب الخلق والأمر‏.‏ فليكن عذاب الطغاة للناس ووثاقهم ما يكون‏.‏ فسيعذبون هم ويوثقون، عذاباً ووثاقاً وراء التصورات والظنون‏!‏

وفي وسط هذا الهول المروع، وهذا العذاب والوثاق، الذي يتجاوز كل تصور تنادى ‏{‏النفس‏}‏ المؤمنة من الملأ الأعلى‏:‏

‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة‏.‏

ارجعي إلى ربك راضية مرضية‏.‏ فادخلي في عبادي‏.‏ وادخلي جنتي‏}‏‏.‏‏.‏

هكذا في عطف وقرب‏:‏ ‏{‏يا أيتها‏}‏ وفي روحانية وتكريم‏:‏ ‏{‏يا أيتها النفس‏}‏‏.‏‏.‏ وفي ثناء وتطمين‏.‏‏.‏ ‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة‏}‏‏.‏‏.‏ وفي وسط الشد والوثاق، الانطلاق والرخاء‏:‏ ‏{‏ارجعي إلى ربك‏}‏ ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد‏.‏ ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة ونسبة‏.‏‏.‏ ‏{‏راضية مرضية‏}‏ بهذه النداوة التي تفيض على الجو كله بالتعاطف وبالرضى‏.‏‏.‏ ‏{‏فادخلي في عبادي‏}‏‏.‏‏.‏ المقربين المختارين لينالوا هذه القربى‏.‏‏.‏ ‏{‏وادخلي جنتي‏}‏‏.‏‏.‏ في كنفي ورحمتي‏.‏‏.‏

إنها عطفة تنسم فيها أرواح الجنة‏.‏ منذ النداء الأول‏:‏ ‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة‏}‏‏.‏‏.‏ المطمئنة إلى ربها‏.‏ المطمئنة إلى طريقها‏.‏ المطمئنة إلى قدر الله بها‏.‏ المطمئنة في السراء والضراء، وفي البسط والقبض، وفي المنع والعطاء‏.‏ المطمئنة فلا ترتاب‏.‏ والمطمئنة فلا تنحرف‏.‏ والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق‏.‏ والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرعيب‏.‏‏.‏

ثم تمضي الآيات تباعاً تغمر الجو كله بالأمن والرضى والطمأنينة، والموسيقى الرخية الندية حول المشهد ترف بالود والقربى والسكينة‏.‏

ألا إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية، تطل من خلايا هذه الآيات‏.‏ وتتجلى عليها طلعة الرحمن الجليلة البهية‏.‏‏.‏

سورة البلد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 20‏]‏

‏{‏لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏1‏)‏ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏2‏)‏ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ‏(‏4‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ‏(‏5‏)‏ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ‏(‏6‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ‏(‏7‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ‏(‏8‏)‏ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ‏(‏9‏)‏ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ‏(‏10‏)‏ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ‏(‏11‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ‏(‏12‏)‏ فَكُّ رَقَبَةٍ ‏(‏13‏)‏ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ‏(‏14‏)‏ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ‏(‏15‏)‏ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ‏(‏17‏)‏ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ‏(‏18‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ‏(‏19‏)‏ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

تضم هذه السورة الصغيرة جناحيها على حشد من الحقائق الأساسية في حياة الكائن الإنساني ذات الإيحاءات الدافعة واللمسات الموحية‏.‏ حشد يصعب أن يجتمع في هذا الحيز الصغير في غير القرآن الكريم، وأسلوبه الفريد في التوقيع على أوتار القلب البشري بمثل هذه اللمسات السريعة العميقة‏.‏‏.‏

تبدأ السورة بالتلويح بقسم عظيم، على حقيقة في حياة الإنسان ثابتة‏:‏

‏{‏لا أقسم بهذا البلد‏.‏ وأنت حل بهذا البلد‏.‏ ووالد ما ولد‏.‏ لقد خلقنا الإنسان في كبد‏}‏‏.‏

والبلد هو مكة‏.‏ بيت الله الحرام‏.‏ أول بيت وضع للناس في الأرض‏.‏ ليكون مثابة لهم وأمناً‏.‏ يضعون عنده سلاحهم وخصوماتهم وعداواتهم، ويلتقون فيه مسالمين، حراماً بعضهم على بعض، كما أن البيت وشجره وطيره وكل حي فيه حرام‏.‏ ثم هو بيت إبراهيم والد إسماعيل أبي العرب والمسلمين أجمعين‏.‏

ويكرم الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فيذكره ويذكر حله بهذا البلد وإقامته، بوصفها ملابسة تزيد هذا البلد حرمة، وتزيده شرفاً، وتزيده عظمة‏.‏ وهي إيماءة ذات دلالة عميقة في هذا المقام‏.‏ والمشركون يستحلون حرمة البيت، فيؤذون النبي والمسلمين فيه، والبيت كريم، يزيده كرماً أن النبي صلى الله عليه وسلم حل فيه مقيم‏.‏ وحين يقسم الله سبحانه بالبلد والمقيم به، فإنه يخلع عليه عظمة وحرمة فوق حرمته، فيبدو موقف المشركين الذين يدعون أنهم سدنة البيت وأبناء إسماعيل وعلى ملة إبراهيم، موقفاً منكراً قبيحاً من جميع الوجوه‏.‏

ولعل هذا المعنى يرشح لاعتبار‏:‏ ‏{‏ووالد وما ولد‏}‏‏.‏‏.‏ إشارة خاصة إلى إبراهيم، أو إلى إسماعيل عليهما السلام وإضافة هذا إلى القسم بالبلد والنبي المقيم به، وبانيه الأول وما ولد‏.‏‏.‏ وإن كان هذا الاعتبار لا ينفي أن يكون المقصود هو‏:‏ والد وما ولد إطلاقاً‏.‏ وأن تكون هذه إشارة إلى طبيعة النشأة الإنسانية، واعتمادها على التوالد‏.‏ تمهيداً للحديث عن حقيقة الإنسان التي هي مادة السورة الأساسية‏.‏

وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في هذا الموضع من تفسيره للسورة في «جزء عم» لفتة لطيفة تتسق في روحها مع روح هذه «الظلال» فنستعيرها منه هنا‏.‏‏.‏ قال رحمه الله‏:‏

«ثم أقسم بوالد وما ولد، ليلفت نظرنا إلى رفعة قدر هذا الطور من أطوار الوجود وهو طور التوالد وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، وإلى ما يعانيه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ، وإبلاغه حده من النمو المقدر له»‏.‏

«فإذا تصورت في النبات كم تعاني البذرة في أطوار النمو‏:‏ من مقاومة فواعل الجو، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر، إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذوراً أخرى تعمل عملها، وتزين الوجود بجمال منظرها إذا أحضرت ذلك في ذهنك، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم، ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو أشد وأجسم»‏.‏

‏.‏ انتهى‏.‏‏.‏

يقسم هذا القسم على حقيقة ثابتة في حياة الكائن الإنساني‏:‏

‏{‏لقد خلقنا الإنسان في كبد‏}‏‏.‏‏.‏

في مكابدة ومشقة، وجهد وكد، وكفاح وكدح‏.‏‏.‏ كما قال في السورة الأخرى‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه‏}‏‏.‏‏.‏

الخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء بإذن ربها وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض إلى جانب ما تذوقه الوالدة ما تذوق‏.‏ وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم‏!‏

ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر‏.‏ يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية‏!‏ وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة‏!‏ ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد‏!‏ وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد‏.‏ والذي يلاحظ الوليد عندما يهم بالحبو وعندما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة‏.‏

وعند بروز الأسنان كبد‏.‏ وعند انتصاب القامة كبد‏.‏ وعند الخطو الثابت كبد‏.‏ وعند التعلم كبد‏.‏ وعند التفكر كبد‏.‏ وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء‏!‏

ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق؛ هذا يكدح بعضلاته‏.‏ وهذا يكدح بفكره‏.‏ وهذا يكدح بروحه‏.‏ وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء‏.‏ وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف‏.‏‏.‏ وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله‏.‏ وهذا يكدح لشهوة ونزوة‏.‏ وهذا يكدح لعقيدة ودعوة‏.‏ وهذا يكدح إلى النار‏.‏ وهذا يكدح إلى الجنة‏.‏‏.‏ والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحاً إلى ربه فيلقاه‏!‏ وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء‏.‏ وتكون الراحة الكبرى للسعداء‏.‏

إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا‏.‏ تختلف أشكاله وأسبابه‏.‏ ولكنه هو الكبد في النهاية‏.‏ فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمرّ في الأخرى‏.‏ وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله‏.‏

على أن في الأرض ذاتها بعض الجزاء على ألوان الكدح والعناء‏.‏ إن الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير‏.‏

ليس مثله طمأنينة بال وارتياحاً للبذل، واسترواحاً بالتضحية، فالذي يكدح وهو طليق من أثقال الطين، أو للانطلاق من هذه الأثقال، ليس كالذي يكدح ليغوص في الوحل ويلصق بالأرض كالحشرات والديدان‏!‏ والذي يموت في سبيل دعوة ليس كالذي يموت في سبيل نزوة‏.‏‏.‏ ليس مثله في خاصة شعوره بالجهد والكبد الذي يلقاه‏.‏

وبعد تقرير هذه الحقيقة عن طبيعة الحياة الإنسانية يناقش بعض دعاوى «الإنسان» وتصوراته التي تشي بها تصرفاته‏:‏

‏{‏أيحسب أن لن يقدر عليه أحد‏؟‏ يقول‏:‏ أهلكت مالاً لبدا‏.‏ أيحسب أن لم يره أحد‏؟‏‏}‏‏.‏

إن هذا «الإنسان» المخلوق في كبد، الذي لا يخلص من عناء الكدح والكد، لينسى حقيقة حاله وينخدع بما يعطيه خالقه من أطراف القوة والقدرة والوجدان والمتاع، فيتصرف تصرف الذي لا يحسب أنه مأخوذ بعمله، ولا يتوقع أن يقدر عليه قادر فيحاسبه‏.‏‏.‏ فيطغى ويبطش ويسلب وينهب، ويجمع ويكثر، ويفسق ويفجر، دون أن يخشى ودون أن يتحرج‏.‏‏.‏ وهذه هي صفة الإنسان الذي يعرى قلبه من الإيمان‏.‏

ثم إنه إذا دعي للخير والبذل ‏(‏في مثل المواضع التي ورد ذكرها في السورة‏)‏ ‏{‏يقول‏:‏ أهلكت مالاً لبداً‏}‏‏.‏‏.‏ وأنفقت شيئاً كثيراً فحسبي ما أنفقت وما بذلت‏!‏ ‏{‏أيحسب أن لم يره أحد‏}‏‏؟‏ وينسى أن عين الله عليه، وأن علمه محيط به، فهو يرى ما أنفق، ولماذا أنفق‏؟‏ ولكن هذا «الإنسان» كأنما ينسى هذه الحقيقة، ويحسب أنه في خفاء عن عين الله‏!‏

وأمام هذا الغرور الذي يخيل للإنسان أنه ذو منعة وقوة، وأمام ضنه بالمال وادعائه أنه بذل الكثير، يجابهه القرآن بفيض الآلاء عليه في خاصة نفسه، وفي صميم تكوينه، وفي خصائص طبيعته واستعدادته، تلك الآلاء التي لم يشكرها ولم يقم بحقها عنده‏:‏

‏{‏ألم نجعل له عينين‏؟‏ ولساناً وشفتين‏؟‏ وهديناه النجدين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

إن الإنسان يغتر بقوته، والله هو المنعم عليه بهذا القدر من القوة‏.‏ ويضن بالمال‏.‏ والله هو المنعم عليه بهذا المال‏.‏ ولا يهتدي ولا يشكر، وقد جعل له من الحواس ما يهديه في عالم المحسوسات‏:‏ جعل له عينين على هذا القدر من الدقة في تركيبهما وفي قدرتهما على الإبصار‏.‏ وميزه بالنطق، وأعطاه أداته المحكمة‏:‏ ‏{‏ولساناً وشفتين‏}‏‏.‏‏.‏ ثم أودع نفسه خصائص القدرة على إدراك الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏‏.‏‏.‏ ليختار أيهما شاء، ففي طبيعته هذا الاستعداد المزدوج لسلوك أي النجدين‏.‏ والنجد الطريق المرتفع‏.‏ وقد اقتضت مشيئة الله أن تمنحه القدرة على سلوك أيهما شاء، وأن تخلقه بهذا الازدواج طبقاً لحكمة الله في الخلق، وإعطاء كل شيء خلقه، وتيسيره لوظيفته في هذا الوجود‏.‏

وهذه الآية تكشف عن حقيقة الطبيعة الإنسانية؛ كما أنها تمثل قاعدة «النظرية النفسية الإسلامية» هي والآيات الأخرى في سورة الشمس‏:‏

‏{‏ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها‏.‏ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها‏}‏ ‏(‏وسنرجئ عرضها بشيء من التفصيل إلى الموضع الآخر في سورة الشمس لأنه أوسع مجالاً‏)‏‏.‏

هذه الآلاء التي أفاضها الله على الجنس الإنسان في خاصة نفسه، وفي صميم تكوينه، والتي من شأنها أن تعينه على الهدى‏:‏ عيناه بما تريان في صفحات هذا الكون من دلائل القدرة وموحيات الإيمان؛ وهي معروضة في صفحات الكون مبثوثة في حناياه‏.‏ ولسانه وشفتاه وهما أداة البيان والتعبير؛ وعنهما يملك الإنسان أن يفعل الشيء الكثير‏.‏ والكلمة أحياناً تقوم مقام السيف والقذيفة وأكثر؛ وأحياناً تهوي بصاحبها في النار كما ترفعه أو تخفضه‏.‏ في هذه النار‏.‏‏.‏ «عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه، ونحن نسير، فقلت‏:‏ يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار‏.‏ قال‏:‏» سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه‏:‏ تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال‏:‏ ألا أدلك على أبواب الخير‏؟‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين‏.‏ ثم تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تتجافى جنوبهم عن المضاجع‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه‏؟‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد‏.‏ ثم قال‏:‏ ألا أخبرك بملاك ذلك كله‏؟‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه‏.‏ قلت‏:‏ يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‏؟‏ قال‏:‏ ثكلتك أمك‏!‏ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال‏:‏ على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم‏؟‏ «رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه‏.‏

وهدايته إلى إدراك الخير والشر، ومعرفة الطريق إلى الجنة والطريق إلى النار، وإعانته على الخير بهذه الهداية‏.‏‏.‏

هذه الآلاء كلها لم تدفع هذا» الإنسان «إلى اقتحام العقبة التي تحول بينه وبين الجنة‏.‏ هذه العقبة التي يبينها الله له في هذه الآيات‏:‏

‏{‏فلا اقتحم العقبة‏.‏‏.‏ وما أدراك ما العقبة‏؟‏ فك رقبة‏.‏ أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة‏.‏ ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة‏.‏ أولئك أصحاب الميمنة‏}‏‏.‏‏.‏

هذه هي العقبة التي يقتحمها الإنسان إلا من استعان بالإيمان هذه هي العقبة التي تقف بينه وبين الجنة‏.‏ لو تخطاها لوصل‏!‏ وتصويرها كذلك حافز قوي، واستجاشة للقلب البشري، وتحريك له ليقتحم العقبة وقد وضحت ووضح معها أنها الحائل بينه وبين هذا المكسب الضخم‏.‏‏.‏ ‏{‏فلا اقتحم العقبة‏}‏ ‏!‏ ففيه تحضيض ودفع وترغيب‏!‏

ثم تفخيم لهذا الشأن وتعظيم‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما العقبة‏!‏‏}‏‏.‏

‏.‏ إنه ليس تضخيم العقبة، ولكنه تعظيم شأنها عند الله، ليحفز به «الإنسان» إلى اقتحامها وتخطيها؛ مهما تتطلب من جهد ومن كبد‏.‏ فالكبد واقع واقع‏.‏ وحين يبذل لاقتحام العقبة يؤتي ثمره ويعوض المقتحم عما يكابده، ولا يذهب ضياعاً وهو واقع واقع على كل حال‏!‏

ويبدأ كشف العقبة وبيان طبيعتها بالأمر الذي كانت البيئة الخاصة التي تواجهها الدعوة في أمسّ الحاجة إليه‏:‏ فك الرقاب العانية؛ وإطعام الطعام والحاجة إليه ماسة للضعاف الذين تقسو عليهم البيئة الجاحدة المتكالبة، وينتهي بالأمر الذي لا يتعلق ببيئة خاصة ولا بزمان خاص، والذي تواجهه النفوس جميعاً، وهي تتخطى العقبة إلى النجاة‏:‏ ‏{‏ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة‏}‏‏.‏‏.‏

وقد ورد أن فك الرقبة هو المشاركة في عتقها، وأن العتق هو الاستقلال بهذا‏.‏‏.‏ وأياً ما كان المقصود فالنتيجة الحاصلة واحدة‏.‏

وقد نزل هذا النص والإسلام في مكة محاصر؛ وليست له دولة تقوم على شريعته‏.‏ وكان الرق عاماً في الجزيرة العربية وفي العالم من حولها‏.‏ وكان الرقيق يعاملون معاملة قاسية على الإطلاق‏.‏ فلما أن أسلم بعضهم كعمار بن ياسر وأسرته، وبلال بن رباح، وصهيب‏.‏‏.‏ وغيرهم رضي الله عنهم جميعاً اشتد عليهم البلاء من سادتهم العتاة، وأسلموهم إلى تعذيب لا يطاق‏.‏ وبدا أن طريق الخلاص لهم هو تحريرهم بشرائهم من سادتهم القساة، فكان أبو بكر رضي الله عنه هو السابق كعادته دائماً إلى التلبية والاستجابة في ثبات وطمأنينة واستقامة‏.‏‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ «وكان بلال مولى أبي بكر رضي الله عنهما لبعض بني جمح مولدا من مولديهم وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة؛ ثم يأمرهم بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى‏.‏ فيقول وهو في ذلك البلاء‏:‏ أحد أحد‏.‏‏.‏»

«حتى مر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوماً وهم يصنعون ذلك به وكانت دار أبي بكر في بني جمح‏.‏ فقال لأمية بن خلف، ألا تتقي الله في هذا المسكين‏؟‏ حتى متى‏؟‏ قال‏:‏ أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ أفعل‏.‏ عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك» أعطيكه به‏.‏ قال‏:‏ قد قبلت‏.‏ قال‏:‏ هو لك‏.‏ فأعطاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه غلامه ذلك وأخذه وأعتقه‏.‏

«ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب‏.‏ بلال سابعهم‏:‏ عامر بن فهيرة ‏(‏شهد بدراً وقتل يوم بئر معونة شهيداً‏)‏ وأم عبيس، وزنيرة‏.‏

‏(‏وأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش‏:‏ ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى‏!‏ فقالت‏:‏ كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان‏.‏ فرد الله بصرها‏)‏ وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول‏:‏ والله لا أعتقكما أبداً‏.‏ فقال أبو بكر رضي الله عنه حلٌ يا أم فلان ‏(‏أي تحللي من يمينك‏)‏ فقالت‏:‏ حل‏!‏ أنت أفسدتهما فأعتقهما‏.‏ قال فبكم هما‏؟‏ قالت‏:‏ بكذا وكذا‏.‏ قال‏:‏ قد أخذتهما وهما حرتان‏.‏ أرجعا إليها طحينها‏.‏ قالتا‏:‏ أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها‏؟‏ قال‏:‏ ذلك إن شئتما‏.‏

«ومر بجارية بني مؤمل هي من بني عدي وكانت مسلمة، وكان عمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام وهو يومئذ مشرك وهو يضربها، حتى إذا مل قال‏:‏ إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة‏!‏ فتقول‏:‏ كذلك فعل الله بك‏!‏ فابتاعها أبو بكر فأعتقها»‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله، قال‏:‏ قال أبو قحافة لأبي بكر‏:‏ يا بني إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً‏.‏ فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جُلدا يمنعونك ويقومون دونك‏!‏ قال‏:‏ فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله‏.‏‏.‏‏.‏ «‏.‏‏.‏

لقد كان رضي الله عنه يقتحم العقبة وهو يعتق هذه الرقاب العانية‏.‏‏.‏ لله‏.‏‏.‏ وكانت الملابسات الحاضرة في البيئة تجعل هذا العمل يذكر في مقدمة الخطوات والوثنيات لاقتحام العقبة في سبيل الله‏.‏

‏{‏أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتمياً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة‏}‏‏.‏‏.‏

والمسغبة‏:‏ المجاعة، ويوم المجاعة الذي يعز فيه الطعام هو محك لحقيقة الإيمان‏.‏ وقد كان اليتيم يجد في البيئة الجاهلية المتكالبة الخسف والغبن‏.‏ ولو كان ذا قربى‏.‏ وقد حفل القرآن بالوصية باليتيم‏.‏ مما يدل على قسوة البيئة من حول اليتامى‏.‏ وظلت هذه الوصايا تتوالى حتى في السور المدنية بمناسبة تشريعات الميراث والوصاية والزواج‏.‏ وقد مر منها الكثير في سورة النساء خاصة‏.‏‏.‏ وفي سورة البقرة وغيرهما‏.‏ وكذلك إطعام المسكين ذي المتربة أي اللاصق بالتراب من بؤسه وشدة حاله في يوم المسغبة يقدمه السياق القرآني خطوة في سبيل اقتحام العقبة، لأنه محك للمشاعر الإيمانية من رحمة وعطف وتكافل وإيثار، ومراقبة لله في عياله، في يوم الشدة والمجاعة والحاجة‏.‏ وهاتان الخطوتان‏:‏ فك الرقاب وإطعام الطعام كانتا من إيحاءات البيئة الملحة، وإن كانت لهما صفة العموم، ومن ثم قدمها في الذكر‏.‏ ثم عقب بالوثبة الكبرى الشاملة‏:‏

‏{‏ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة‏}‏‏.‏

و ‏{‏ثم‏}‏ هنا ليست للتراخي الزمني، إنما هي للتراخي المعنوي باعتبار هذه الخطوة هي الأشمل والأوسع نطاقاً والأعلى أفقاً‏.‏ وإلا فما ينفع فك رقاب ولا إطعام طعام بلا إيمان‏.‏ فالإيمان مفروض وقوعه قبل فك الرقاب وإطعام الطعام‏.‏ وهو الذي يجعل للعمل الصالح وزناً في ميزان الله‏.‏ لأنه بمنهج ثابت مطرد‏.‏ فلا يكون الخير فلتة عارضة ترضية لمزاج متقلب، أو ابتغاء محمدة من البيئة أو مصلحة‏.‏

وكأنما قال‏:‏ فك رقبة‏.‏ أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة‏.‏‏.‏ وفوق ذلك كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة‏.‏ فثم هنا لإفادة معنى الفضل والعلو‏.‏

والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة، ولاقتحام العقبة بصفة خاصة‏.‏ والتواصي به يقرر درجة وراء درجة الصبر ذاته‏.‏ درجة تماسك الجماعة المؤمنة، وتواصيها على معنى الصبر، وتعاونها على تكاليف الإيمان‏.‏ فهي أعضاء متجاوبة الحس‏.‏ تشعر جميعاً شعوراً واحداً بمشقة الجهاد لتحقيق الإيمان في الأرض وحمل تكاليفه، فيوصي بعضها بعضاً بالصبر على العبء المشترك؛ ويثبت بعضها بعضاً فلا تتخاذل؛ ويقوي بعضها بعضاً فلا تنهزم‏.‏ وهذا أمر غير الصبر الفردي‏.‏ وإن يكن قائماً على الصبر الفردي‏.‏ وهو إيحاء بواجب المؤمن في الجماعة المؤمنة‏.‏ وهو ألا يكون عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت، ولا يكون داعية هزيمة بل داعية اقتحام؛ ولا يكون مثار جزع بل مهبط طمأنينة‏.‏

وكذلك التواصي بالمرحمة‏.‏ فهو أمر زائد على المرحمة‏.‏ إنه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف الجماعة عن طريق التواصي به، والتحاض عليه، واتخاذه واجباً جماعياً فردياً في الوقت ذاته، يتعارف عليه الجميع، ويتعاون عليه الجميع‏.‏

فمعنى الجماعة قائم في هذا التوجيه‏.‏ وهو المعنى الذي يبرزه القرآن كما تبرزه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهميته في تحقيق هذا الدين‏.‏ فهو دين جماعة، ومنهج أمة، مع وضوح التبعة الفردية والحساب الفردي فيه وضوحاً كاملاً‏.‏‏.‏

وأولئك الذين يقتحمون العقبة كما وصفها القرآن وحددها ‏{‏أولئك أصحاب الميمنة‏}‏‏.‏‏.‏ وهم أصحاب اليمين كما جاء في مواضع أخرى‏.‏ أو أنهم أصحاب اليمين والحظ والسعادة‏.‏‏.‏ وكلا المعنيين متصل في المفهوم الإيماني‏.‏

‏{‏والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة‏.‏ عليهم نار مؤصدة‏}‏‏.‏‏.‏

ولم يحتج هنا إلى ذكر أوصاف أخرى لفريق المشأمة غير أن يقول‏:‏ ‏{‏والذين كفروا بآياتنا‏}‏‏.‏‏.‏ لأن صفة الكفر تنهي الموقف‏.‏ فلا حسنة مع الكفر‏.‏ ولا سيئة إلا والكفر يتضمنها أو يغطي عليها‏.‏ فلا ضرورة للقول بأنهم الذين لا يفكون الرقاب ولا يطعمون الطعام، ثم هم الذين كفروا بآياتنا‏.‏‏.‏ فإذا كفروا فما هو بنافعهم شيء من ذلك حتى لو فعلوه‏!‏

وهم أصحاب المشأمة‏.‏ أي أصحاب الشمال أو هم أصحاب الشؤم والنحس‏.‏‏.‏ وكلاهما كذلك قريب في المفهوم الإيماني‏.‏ وهؤلاء هم الذين بقوا وراء العقبة لم يقتحموها‏!‏

‏{‏عليهم نار مؤصدة‏}‏‏.‏‏.‏ أي مغلقة‏.‏‏.‏ إما على المعنى القريب‏.‏‏.‏ أي أبوابها مغلقة عليهم وهم في العذاب محبوسون‏.‏ وإما على لازم هذا المعنى القريب؛ وهو أنهم لا يخرجون منها‏.‏ فبحكم إغلاقها عليهم لا يمكن أن يزايلوها‏.‏‏.‏ وهذان المعنيان متلازمان‏.‏‏.‏

هذه هي الحقائق الأساسية في حياة الكائن الإنساني، وفي التصور الإيماني‏.‏ تعرض في هذا الحيز الصغير‏.‏ بهذه القوة وبهذا الوضوح‏.‏‏.‏ وهذه خاصية التعبير القرآني الفريد‏.‏‏.‏‏.‏

سورة الشمس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏(‏1‏)‏ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ‏(‏2‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ‏(‏4‏)‏ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ‏(‏5‏)‏ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ‏(‏6‏)‏ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ‏(‏7‏)‏ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ‏(‏8‏)‏ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ‏(‏9‏)‏ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ‏(‏10‏)‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ‏(‏11‏)‏ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ‏(‏12‏)‏ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ‏(‏13‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ‏(‏14‏)‏ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ‏(‏15‏)‏‏}‏

هذه السورة القصيرة ذات القافية الواحدة، والإيقاع الموسيقي الموحد، تتضمن عدة لمسات وجدانية تنبثق من مشاهد الكون وظواهره التي تبدأ بها السورة والتي تظهر كأنها إطار للحقيقة الكبيرة التي تتضمنها السورة‏.‏ حقيقة النفس الإنسانية، واستعداداتها الفطرية، ودور الإنسان في شأن نفسه، وتبعته في مصيرها‏.‏‏.‏ هذه الحقيقة التي يربطها سياق بحقائق الكون ومشاهده الثابتة‏.‏

كذلك تتضمن قصة ثمود، وتكذيبها بإنذار رسولها، وعقرها للناقة، ومصرعها بعد ذلك وزوالها‏.‏ وهي نموذج من الخيبة التي تصيب من لا يزكي نفسه، فيدعها للفجور، ولا يلزمها تقواها‏:‏ كما جاء في الفقرة الأولى في السورة‏:‏ ‏{‏قد أفلح من زكاها‏.‏ وقد خاب من دساها‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏والشمس وضحاها‏.‏ والقمر إذا تلاها‏.‏ والنهار إذا جلاَّها‏.‏ والليل إذا يغشاها‏.‏ والسمآء وما بناها‏.‏ والأرض وما طحاها‏.‏ ونفس وما سواها‏.‏ فألهمها فجورها وتقواها‏.‏ قد أفلح من زكاها‏.‏ وقد خاب من دساها‏}‏‏.‏‏.‏

يقسم الله سبحانه بهذه الخلائق والمشاهد الكونية، كما يقسم بالنفس وتسويتها وإلهامها‏.‏ ومن شأن هذا القسم أن يخلع على هذه الخلائق قيمة كبرى؛ وأن يوجه إليها القلوب تتملاها، وتتدبر ماذا لها من قيمة وماذا بها من دلالة، حتى استحقت أن يقسم بها الجليل العظيم‏.‏

ومشاهد الكون وظواهره إطلاقاً بينها وبين القلب الإنساني لغة سرية‏!‏ متعارف عليها في صميم الفطرة وأغوار المشاعر‏.‏ وبينها وبين الروح الإنساني تجاوب ومناجاة بغير نبرة ولا صوت، وهي تنطق للقلب، وتوحي للروح، وتنبض بالحياة المأنوسة للكيان الإنساني الحي، حيثما التقى بها وهو مقبل عليها، متطلع عندها إلى الأنس والمناجاة والتجاوب والإيحاء‏.‏

ومن ثم يكثر القرآن من توجيه القلب إلى مشاهد الكون بشتى الأساليب، في شتى المواضع‏.‏ تارة بالتوجيهات المباشرة، وتارة باللمسات الجانبية كهذا القسم بتلك الخلائق والمشاهد، ووضعها إطاراً لما يليها من الحقائق‏.‏ وفي هذا الجزء بالذات لاحظنا كثرة هذه التوجيهات واللمسات كثرة ظاهرة‏.‏ فلا تكاد سورة واحدة تخلو من إيقاظ القلب لينطلق إلى هذا الكون، يطلب عنده التجاوب والإيحاء‏.‏ ويتلقى عنه بلغة السر المتبادل ما ينطق به من دلائل وما يبثه من مناجاة‏!‏

وهنا نجد القسم الموحي بالشمس وضحاها‏.‏‏.‏ بالشمس عامة وحين تضحى وترتفع عن الأفق بصفة خاصة‏.‏ وهي أروق ما تكون في هذه الفترة وأحلى‏.‏ في الشتاء يكون وقت الدفء المستحب الناعش‏.‏ وفي الصيف يكون وقت الإشراق الرائق قبل وقدة الظهيرة وقيظها‏.‏ فالشمس في الضحى في أروق أوقاتها وأصفاها‏.‏ وقد ورد أن المقصود بالضحى هو النهار كله، ولكنا لا نرى ضرورة للعدول عن المعنى القريب للضحى‏.‏ وهو ذو دلالة خاصة كما رأينا‏.‏

وبالقمر إذا تلاها‏.‏‏.‏ إذا تلا الشمس بنوره اللطيف الشفيف الرائق الصافي‏.‏‏.‏ وبين القمر والقلب البشري ود قديم موغل في السرائر والأعماق، غائر في شعاب الضمير، يترقرق ويستيقظ كلما التقى به القلب في أية حال‏.‏

وللقمر همسات وإيحاءات للقلب، وسبحات وتسبيحات للخالق، يكاد يسمعها القلب الشاعر في نور القمر المنساب‏.‏‏.‏ وإن القلب ليشعر أحياناً أنه يسبح في فيض النور الغامر في الليلة القمراء، ويغسل أدرانه، ويرتوي، ويعانق هذا النور الحبيب ويستروح فيه روح الله‏.‏

ويقسم بالنهار إذا جلاها‏.‏‏.‏ مما يوحي بأن المقصود بالضحى هو الفترة الخاصة لا كل النهار‏.‏ والضمير في ‏{‏جلاها‏}‏‏.‏‏.‏ الظاهر أن يعود إلى الشمس المذكورة في السياق‏.‏‏.‏ ولكن الإيحاء القرآني يشي بأنه ضمير هذه البسيطة‏.‏ وللأسلوب القرآني إيحاءات جانبية كهذه مضمرة في السياق لأنها معهودة في الحس البشري، يستدعيها التعبير استدعاء خفياً‏.‏ فالنهار يجلي البسيطة ويكشفها‏.‏ وللنهار في حياة الإنسان آثاره التي يعلمها‏.‏ وقد ينسى الإنسان بطول التكرار جمال النهار وأثره‏.‏ فهذه اللمسة السريعة في مثل هذا السياق توقظه وتبعثه للتأمل في هذه الظاهرة الكبرى‏.‏

ومثله‏:‏ ‏{‏والليل إذا يغشاها‏}‏‏.‏‏.‏ والتغشية هي مقابل التجلية‏.‏ والليل غشاء يضم كل شيء ويخفيه‏.‏ وهو مشهد له في النفس وقع‏.‏ وله في حياة الإنسان أثر كالنهار سواء‏.‏

ثم يقسم بالسماء وبنائها‏:‏ ‏{‏والسماء وما بناها‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏وما‏}‏ هنا مصدرية‏.‏ ولفظ السماء حين يذكر يسبق إلى الذهن هذا الذي نراه فوقنا كالقبة حيثما اتجهنا، تتناثر فيه النجوم والكواكب السابحة في أفلاكها ومداراتها‏.‏ فأما حقيقة السماء فلا ندريها‏.‏ وهذا الذي نراه فوقنا متماسكاً لا يختل ولا يضطرب تتحقق فيه صفة البناء بثباته وتماسكه‏.‏ أما كيف هو مبني، وما الذي يمسك أجزاءه فلا تتناثر وهو سابح في الفضاء الذي لا نعرف له أولاً ولا آخراً‏.‏‏.‏ فذلك ما لا ندريه‏.‏ وكل ما قيل عنه مجرد نظريات قابلة للنقض والتعديل‏.‏ ولا قرار لها ولا ثبات‏.‏‏.‏ إنما نوقن من وراء كل شيء أن يد الله هي تمسك هذا البناء‏:‏ ‏{‏إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا‏.‏ ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده‏}‏ وهذا هو العلم المستيقن الوحيد‏!‏

كذلك يقسم بالأرض وطحوِها‏:‏ ‏{‏والأرض وما طحاها‏}‏‏.‏‏.‏ والطحو كالدحو‏:‏ البسط والتمهيد للحياة‏.‏ وهي حقيقة قائمة تتوقف على وجودها حياة الجنس البشري وسائر الأجناس الحية‏.‏ وهذه الخصائص والموافقات التي جعلتها يد الله في هذه الأرض هي التي سمحت بالحياة فيها وفق تقديره وتدبيره‏.‏ وحسب الظاهر لنا أنه لو اختلت إحداها ما أمكن أن تنشأ الحياة ولا أن تسير في هذا الطريق الذي سارت فيه‏.‏‏.‏ وطحو الأرض أو دحوها كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها‏}‏ وهو أكبر هذه الخصائص والموافقات‏.‏ ويد الله وحدها هي التي تولت هذا الأمر‏.‏ فحين يذكر هنا بطحو الأرض، فإنما يذكر بهذه اليد التي وراءه‏.‏ ويلمس القلب البشري هذه اللمسة للتدبر والذكرى‏.‏

ثم تجيء الحقيقة الكبرى عن النفس البشرية في سياق هذا القسم، مرتبطة بالكون ومشاهده وظواهره‏.‏ وهي إحدى الآيات الكبرى في هذا الوجود المترابط المتناسق‏:‏

‏{‏ونفس وما سواها‏.‏ فألهما فجورها وتقواها‏.‏ قد أفلح من زكاها‏.‏ وقد خاب من دساها‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه الآيات الأربع، بالإضافة إلى آية سورة البلد السابقة‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ وآية سورة الإنسان‏:‏ ‏{‏إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً‏}‏ تمثل قاعدة النظرية النفسية للإسلام‏.‏‏.‏ وهي مرتبطة ومكملة للآيات التي تشير إلى ازدواج طبيعة الإنسان، كقوله تعالى في سورة «ص»‏:‏ ‏{‏إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين‏.‏ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين‏}‏ كما أنها مرتبطة ومكملة للآيات التي تقرر التعبة الفردية‏:‏ كقوله تعالى في سورة المدثر‏:‏ ‏{‏كل نفس بما كسبت رهينة‏}‏ والآيات التي تقرر أن الله يرتب تصرفه بالإنسان على واقع هذا الإنسان، كقوله تعالى في سورة الرعد‏:‏ ‏{‏إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم‏}‏ ومن خلال هذه الآيات وأمثالها تبرز لنا نظرة الإسلام إلى الإنسان بكل معالمها‏.‏‏.‏

إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد، مزدوج الاتجاه ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينه ‏(‏من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه‏)‏ مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال‏.‏ فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر‏.‏ كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء‏.‏ وأن هذه القدرة كامنة في كيانه، يعبرعنها القرآن بالإلهام تارة‏:‏ ‏{‏ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها‏}‏‏.‏‏.‏ ويعبر عنها بالهداية تارة‏:‏ ‏{‏فهديناه النجدين‏}‏ فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد‏.‏‏.‏ والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا أو هناك‏.‏ ولكنها لا تخلقها خلقاً‏.‏ لأنها مخلوقة فطرة، وكائنة طبعاً، وكامنة إلهاماً‏.‏

وهناك إلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان‏.‏ هي التي تناط بها التبعة‏.‏ فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها، وتغليبه على استعداد الشر‏.‏‏.‏ فقد أفلح‏.‏ ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب‏:‏ ‏{‏قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها‏}‏‏.‏‏.‏

وهنالك إذن تبعة مترتبة على منح الإنسان هذه القوة الواعية القادرة على الاختيار والتوجيه‏.‏ توجيه الاستعدادات الفطرية القابلة للنمو في حقل الخير وفي حقل الشر سواء‏.‏ فهي حرية تقابلها تبعة، وقدرة يقابلها تكليف، ومنحة يقابلها واجب‏.‏‏.‏

ورحمة من الله بالإنسان لم يدعه لاستعداد فطرته الإلهامي، ولا للقوة الواعية المالكة للتصرف، فأعانه بالرسالات التي تضع له الموازين الثابتة الدقيقة، وتكشف له عن موحيات الإيمان، ودلائل الهدى في نفسه وفي الآفاق من حوله، وتجلو عنه غواشي الهوى فيبصر الحق في صورته الصحيحة‏.‏‏.‏ وبذلك يتضح له الطريق وضوحاً كاشفاً لا غبش فيه ولا شبهة فتتصرف القوة الواعية حينئذ عن بصيرة وإدراك لحقيقة الاتجاه الذي تختاره وتسير فيه‏.‏

وهذه في جملتها هي مشيئة الله بالإنسان‏.‏ وكل ما يتم في دائرتها فهو محقق لمشيئة الله وقدره العام‏.‏

هذه النظرة المجملة إلى أقصى حد تنبثق منها جملة حقائق ذات قيمة في التوجيه التربوي‏:‏ فهي أولاً ترتفع بقيمة هذا الكائن الإنساني، حين تجعله أهلاً لاحتمال تبعة اتجاهه، وتمنحه حرية الاختيار ‏(‏في إطار المشيئة الإلهية التي شاءت له هذه الحرية فيما يختار‏)‏ فالحرية والتبعة يضعان هذا الكائن في مكان كريم، ويقرران له في هذا الوجود منزلة عالية تليق بالخليقة التي نفخ الله فيها من روحه وسواها بيده، وفضلها على كثير من العالمين‏.‏

وهي ثانياً تلقي على هذا الكائن تبعة مصيره، وتجعل أمره بين يديه ‏(‏في إطار المشيئة الكبرى كما أسلفنا‏)‏ فتثير في حسه كل مشاعر اليقظة والتحرج والتقوى‏.‏ وهو يعلم أن قدر الله فيه يتحقق من خلال تصرفه هو بنفسه‏:‏ ‏{‏إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم‏}‏ وهي تبعة ثقيلة لا يغفل صاحبها ولا يغفو‏!‏

وهي ثالثاً تشعر هذا الإنسان بالحاجة الدائمة للرجوع إلى الموازين الإلهية الثابتة، ليظل على يقين أن هواه لم يخدعه، ولم يضلله، كي لا يقوده الهوى إلى المهلكة، ولا يحق عليه قدر الله فيمن يجعل إلهه هواه‏.‏ وبذلك يظل قريباً من الله، يهتدي بهديه، ويستضيء بالنور الذي أمده به في متاهات الطريق‏!‏

ومن ثم فلا نهاية لما يملك هذا الإنسان أن يصل إليه من تزكية النفس وتطهيرها، وهو يغتسل في نور الله الفائض، ويتطهر في هذا العباب الذي يتدفق حوله من ينابيع الوجود‏.‏‏.‏

بعد ذلك يعرض نموذجاً من نماذج الخيبة التي ينتهي إليها من يدسي نفسه، فيحجبها عن الهدى ويدنسها‏.‏ ممثلاً هذا النموذج فيما أصاب ثمود من غضب ونكال وهلاك‏:‏

‏{‏كذبت ثمود بطغواها‏.‏ إذ انبعث أشقاها‏.‏ فقال لهم رسول الله‏:‏ ناقة الله وسقياها‏.‏ فكذبوه فعقروها‏.‏ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها‏.‏ ولا يخاف عقباها‏}‏‏.‏‏.‏

وقد وردت قصة ثمود ونبيها صالح عليه السلام في مواضع شتى من القرآن‏.‏ وسبق الحديث عنها في كل موضع‏.‏ وأقربها ما جاء في هذا الجزء في سورة «الفجر» فيرجع إلى تفصيلات القصة هناك‏.‏

فأما في هذا الموضع فهو يذكر أن ثمود بسبب من طغيانها كذبت نبيها، فكان الطغيان وحده هو سبب التكذيب‏.‏ وتمثل هذا الطغيان في انبعاث أشقاها‏.‏ وهو الذي عقر الناقة‏.‏ وهو أشدها شقاء وأكثرها تعاسة بما ارتكب من الإثم‏.‏ وقد حذرهم رسول الله قبل الإقدام على الفعلة فقال لهم‏.‏ احذروا أن تمسوا ناقة الله أو أن تمسوا الماء الذي جعل لها يوماً ولهم يوماً كما اشترط عليهم عند ما طلبوا منه آية فجعل الله هذه الناقة آية ولا بد أنه كان لها شأن خاص لا نخوض في تفصيلاته، لأن الله لم يقل لنا عنه شيئاً فكذبوا النذير فعقروا الناقة‏.‏

والذي عقرها هو هذا الأشقى‏.‏ ولكنهم جميعاً حملوا التبعة وعُدوا أنهم عقروها، لأنهم لم يضربوا على يده، بل استحسنوا فعلته‏.‏ وهذا مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في التكافل في التبعة الاجتماعية في الحياة الدنيا‏.‏ لا يتعارض مع التبعة الفردية في الجزاء الأخروي حيث لا تزر وازرة وزر أخرى‏.‏ على أنه من الوزر إهمال التناصح والتكافل والحض على البر والأخذ على يد البغي والشر‏.‏

عندئذ تتحرك يد القدرة لتبطش البطشة الكبرى‏:‏ ‏{‏فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها‏}‏‏.‏‏.‏

والدمدمة الغضب وما يتبعه من تنكيل‏.‏ واللفظ ذاته‏.‏‏.‏ ‏{‏دمدم‏}‏ يوحي بما وراءه، ويصور معناه بجرسه، ويكاد يرسم مشهداً مروعاً مخيفاً‏!‏ وقد سوى الله أرضهم عاليها بسافلها، وهو المشهد الذي يرتسم بعد الدمار العنيف الشديد‏.‏‏.‏

‏{‏ولا يخاف عقباها‏}‏‏.‏‏.‏ سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏ ومن ذا يخاف‏؟‏ وماذا يخاف‏؟‏ وأنى يخاف‏؟‏ إنما يراد من هذا التعبير لازمه المفهوم منه‏.‏ فالذي لا يخاف عاقبة ما يفعل، يبلغ غاية البطش حين يبطش‏.‏ وكذلك بطش الله كان‏:‏ إن بطش ربك لشديد‏.‏ فهو إيقاع يراد إيحاؤه وظله في النفوس‏.‏‏.‏

وهكذا ترتبط حقيقة النفس البشرية بحقائق هذا الوجود الكبيرة، ومشاهدة الثابتة، كما ترتبط بهذه وتلك سنة الله في أخذ المكذبين والطغاة، في حدود التقدير الحكيم الذي يجعل لكل شيء أجلاً، ولكل حادث موعداً، ولكل أمر غاية، ولكل قدر حكمة، وهو رب النفس والكون والقدر جميعاً‏.‏‏.‏